رونالدو الأفضل في التاريخ بشرط إعادة كتابة قوانين كرة القدم!
خرج الأسطورة كريستيانو رونالدو ليعلنها على رؤوس الأشهاد بأنه الأفضل والأكثر تكاملًا في تاريخ كرة القدم، فقامت الدنيا ولم تقعد بين محللين ومتابعين راحوا يستدعون الإحصائيات المعقدة وجداول صناعة الفرص، ويفتشون في الدفاتر القديمة عن ألقاب كأس العالم، متناسين أن الخلل الحقيقي ليس في حديث النجم البرتغالي، بل في القوانين البالية للعبة ذاتها، تلك التي ما تزال تصر على تعريف كرة القدم كرياضة جماعية يمارسها أحد عشر لاعبًا يركضون خلف تفاصيل لا معنى لها.
تفاصيل لا تليق بالعظماء
حين يتحدث رونالدو عن التكامل، فهو بلا شك لا يرى أي داع لعودة مهاجم تاريخي إلى مناطقه لمساندة الظهير، أو إرهاق نفسه بالضغط العالي على قلوب دفاع الخصم واستخلاص الكرات من أقدام المنافسين في منتصف الميدان.
هذه مهام شاقة ومجهدة ينبغي للفرق الحديثة أن توزعها على باقي اللاعبين كنوع من تقاسم الأعباء الوظيفية، بينما يتفرغ الأسطورة لمهمته السامية والوحيدة، وهي تحويل الفرص السانحة إلى شباك تهتز وأرقام تصعد به نحو الهدف رقم 1000.
كما يعيب المشككون على الدون قلة تمريراته الحاسمة نسبيًا وغيابه عن نسج الهجمات من الخلف أو مراوغة المدافعين لفتح المساحات، متجاهلين أنه يمارس صناعة اللعب بمفهوم متقدم للغاية يعتمد على تفويض المهام وتوجيه المنظومة بالكامل لخدمة نقطة التمركز داخل الصندوق.
لماذا يتعب صانع التاريخ نفسه في قراءة حركة الزملاء وضبط إيقاع تسعين دقيقة، في حين يمكنه ببساطة الانتظار في الموقع المثالي وتوبيخ كل من تسول له نفسه التسديد نحو المرمى بدلًا من إرسال الكرة إليه مباشرة.
أما اشتراط الفوز بكأس العالم لإثبات الأفضلية المطلقة، فهو في نظر هذا المنطق مجرد هوس ببطولة عابرة تقام كل أربعة أعوام ولا تتجاوز مدتها شهرًا واحدًا، فما قيمة تسجيل الأهداف في أدوار خروج المغلوب العالمية لمن يمتلك في جعبته دوري أبطال أوروبا ويسجل في كل أرض يحل بها.
التكامل الحقيقي لا يقتضي حصد كل الألقاب الممكنة على وجه البسيطة، بل يكمن في الاكتفاء بالتهديف، مع خوض معارك جانبية شرسة مع الحكام واللجان الفنية لإثبات لمس خصلات الشعر ورباط الحذاء للكرة وتجريد الزملاء من أهدافهم أمام أعينهم ونسبها إلى رصيده الشخصي، إلى جانب إظهار التذمر والامتعاض كلما تجرأ زميل سابق على خطف جائزة فردية للأفضل في مباراة أو بطولة.
كرة القدم بنسختها التي يعرفها رونالدو لا تعترف بتضحيات المنظومة أو تقاسم المجد، بل تقتضي أن تدور الكاميرات والأضواء والميكروفونات حول نجم أوحد يضمن بقاء الحسابات مشتعلة.
الزميل في الفريق ليس شريكًا في إنجاز جماعي، بل هو مجرد عنصر مساند وظيفته تسهيل وصول الكرة إلى نقطة الجزاء، ثم الركض سريعًا للاحتفال خلف صاحب الضربة القاضية ومشاركته صيحة القفز الشهيرة، وكل ما دون ذلك من فلسفة كروية ليس سوى محاولات بائسة للتقليل من هداف لا يشبع.










بيت القصيد
في نهاية المطاف، لا أحد يمكنه إنكار الجوع التاريخي الذي جعل من رونالدو ظاهرة تهديفية لا تتكرر، لكن المشكلة تظل في الرغبة المحمومة لتطويع مفهوم كرة القدم بالكامل ليناسب مقاس الأرقام الشخصية له فقط وليست أي أرقام أخرى.
الكرة الذهبية ستكون حلمًا الجائزة الأكثر نزاهة طالما تساوى مع ميسي في عددها وستكون جائزة يتم تطويعها بالمزاج طالما تفوق الأرجنتيني، الحذاء الذهبي سيكون المعيار طالما كان يتفوق على ليونيل، لاحقًا سيكون المعيار هو الفوز ببطولة لمنتخب بلادك، ولاحقًا يصبح كأس العالم مجرد بطولة من سبع مباريات ماذا يعني فوز ليونيل بها للأرجنتين وهي لديها ثنائية سابقة بالفعل؟! حتى الألف هدف التي هي اليوم المعيار الأوحد، لا نعرف كيف سيتم التعامل معها لاحقًا إذا وصل لها ميسي هو الآخر.
رونالدو محق في كل ما يقول، بشرط أن نتفق أولًا على تعديل قواعد اللعبة، وتجريدها من مفاهيم صناعة اللعب والعمل الجماعي وحسم المونديال، وتحويلها رسميًا إلى مسابقة فردية لعد الكرات داخل الشباك، وحينها فقط سيتوج الدون ملكًا متوجًا على عرش لعبة لم يعد لها علاقة بكرة القدم التي نعرفها ونحبها.
لا أحاول ولا أحب الهجوم على رونالدو، هو في النهاية رأي شخصي، البرتغالي تجاوز حدود المنطق، وأصبح بما يفعله يقلل بشكل يومي من تاريخ عظماء مروا على اللعبة، ووضع المعيار الذي يناسبه فقط، فبأي منطق نقبل؟!

