في الوقت الذي أصبح فيه التصوير بالنسبة للكثيرين مجرد وسيلة لالتقاط الصور، اختار المصور الفوتوغرافي زياد محمد البدري عبدالله أن يجعل من الكاميرا أداة لنقل قضايا المجتمع وتسليط الضوء على معاناة الإنسان، مؤمنًا بأن الصورة قد تكون أبلغ من آلاف الكلمات، وأن الفن الحقيقي هو الذي يترك أثرًا ورسالة في وجدان المشاهد.
ابن محافظة أسوان، والبالغ من العمر 25 عامًا، والطالب بالفرقة الدراسية في المعهد العالي لنظم ومعلومات الزرقا، استطاع أن يشق طريقه بنفسه، معتمدًا على الإصرار والتعلم الذاتي حتى أصبح يقدم أعمالًا فوتوغرافية تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية عميقة.
ويؤكد زياد أن رحلته مع التصوير بدأت في سن الخامسة عشرة، عندما كان يلتقط صور الطبيعة بهاتف محمول بسيط، مستخدمًا برامج تعديل متواضعة، لكنه كان يرى في كل صورة فرصة للتطور، حتى تحول الحلم الصغير إلى هدف يسعى لتحقيقه رغم عدم امتلاكه كاميرا أو الإمكانيات المادية اللازمة.
وقال زياد: “كنت مؤمنًا أن الشغف أهم من الإمكانيات، وكنت أعرف أن اليوم الذي سأحمل فيه كاميرتي سيأتي مهما طال الوقت.”



التعلم من الصفر
ورغم عدم التحاقه بأي ورش أو دورات تدريبية متخصصة، اعتمد زياد على التعلم الذاتي من خلال منصات التعليم المجانية ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، ثم بدأ في التطبيق العملي مع أصدقائه، مستفيدًا كذلك من دعم عدد من المصورين الذين قدموا له النصائح والخبرات التي ساعدته في تطوير مستواه الفني.
ولم تكن رحلة الوصول سهلة، إذ عمل في أكثر من مجال، من بينها البرمجة وخدمات السوشيال ميديا، حتى يتمكن من شراء معدات تصوير احترافية، بينما كان لوالدته دور كبير في دعمه حتى تمكن من امتلاك الكاميرا التي طالما حلم بها.
أعمال تحمل رسائل مجتمعية
ويعد مشروع “لا للعنف ضد المرأة” من أبرز الأعمال التي قدمها زياد، حيث استخدم الصورة لتجسيد الآثار النفسية والجسدية التي قد تتركها الإساءة والعنف على المرأة، مقدمًا مشاهد بصرية مؤثرة تعكس حجم الألم الذي قد يظل مخفيًا خلف الوجوه.






كما قدم مشروعًا آخر بعنوان “صمت المرأة”، والذي تناول من خلاله الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تدفع بعض النساء إلى الصمت، والخوف من التعبير عن معاناتهن، إلى جانب تأثير تراكم الضغوط الحياتية على الصحة النفسية، مؤكدًا أن العمل لا يهدف إلى عرض الألم فقط، وإنما إلى الدعوة للحوار والدعم والوعي.





وأوضح أن الصور جاءت في إطار فني ورسالة إنسانية، لإبراز أهمية رفض العنف بكافة أشكاله، وتشجيع المجتمع على الاستماع لمن يعانون في صمت، مع التأكيد على أن طلب المساعدة قوة وليس ضعفًا.
الصورة ليست مجرد لقطة
ويرى زياد أن التصوير ليس مجرد توثيق للحظة، بل وسيلة لنقل الأفكار والقيم، مؤكدًا أن المصور الحقيقي هو من يستطيع تحويل العدسة إلى لغة يفهمها الجميع.
وقال: “هدفي ليس تصوير الأشخاص فقط، وإنما تقديم فكرة ورسالة، لأن الصورة عندما تحمل معنى تستطيع أن تغير نظرة إنسان أو تفتح بابًا للنقاش حول قضية مهمة.”
مواجهة التنمر وتحويله إلى دافع
ولم تخلِ مسيرته من الصعوبات، إذ تعرض في بداياته للتنمر والاستهزاء من بعض المحيطين به، الذين شككوا في قدرته على النجاح، لكنه لم يتراجع، بل اعتبر كل انتقاد دافعًا للاستمرار والعمل حتى يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه قادر على تحقيق حلمه.
وأشار إلى أن والدته كانت الداعم الأول له، إلى جانب أسرته وأصدقائه، مؤكدًا أن كل ما وصل إليه كان بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ثم الدعم الذي تلقاه من أسرته.
الحلم مستمر
وعن خططه المستقبلية، كشف زياد أنه يطمح إلى السفر خارج مصر، واكتساب خبرات جديدة، وتقديم مشاريع فوتوغرافية مختلفة تعبر عن الواقع المصري وقضايا المجتمع، مع السعي لأن يصبح من المصورين المؤثرين الذين يستخدمون الفن لإحداث تغيير إيجابي.
واختتم حديثه قائلاً:
“رسالتي أن التصوير ليس رفاهية، وليس مجرد صور جميلة، بل هو فن قادر على نقل الحقيقة، وإحياء المشاعر، والدفاع عن القضايا الإنسانية. أحلم بأن تصل رسائلي لكل شخص يرى أعمالي، وأن تكون كل صورة بداية لحوار جديد من أجل مجتمع أكثر وعيًا وإنسانية.

