شهد المشهد الثقافي والصحفي العراقي صدور كتاب جديد بعنوان «هندسة الفوضى وعُقد السياسة» للكاتب والمؤلف العراقي عقيل وساف (Aqeel Wassaf)، في إصدار يتناول جملة من القضايا المرتبطة بالسياسة والتحولات التي تشهدها المنطقة، من خلال مقاربة تقوم على قراءة الأحداث ضمن سياقاتها المتشابكة، ومحاولة تفكيك العوامل التي تقف خلف الأزمات والتعقيدات السياسية.
ويأتي الكتاب ضمن الأعمال التي تتجه إلى تقديم السياسة باعتبارها منظومة متداخلة من المصالح والقرارات والتوازنات، بدلاً من التعامل مع الأحداث باعتبارها وقائع منفصلة عن بعضها. ويشير عنوان الكتاب إلى محورين أساسيين ينطلق منهما المؤلف في مقاربته، هما مفهوم «هندسة الفوضى» وما يرتبط به من تشابك في صناعة الأزمات وإدارتها، و«عُقد السياسة» التي تتشكل نتيجة تراكم الملفات والخلافات وتعدد الأطراف المؤثرة فيها.
ويحاول الكتاب الاقتراب من طبيعة المشهد السياسي المعاصر من زاوية تحليلية، مع التركيز على العلاقات التي تربط بين الأحداث والقرارات والمواقف، وكيف يمكن لتحول سياسي واحد أن ينعكس على مجموعة واسعة من الملفات الأخرى. كما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأزمات السياسية، والعوامل التي تجعل بعضها يستمر ويتحول إلى ملفات معقدة يصعب التعامل معها بحلول منفردة.
ويعتمد العمل على مقاربة تضع الأحداث السياسية في إطارها الأوسع، بحيث لا تقتصر القراءة على ما يظهر في واجهة المشهد، وإنما تمتد إلى السياقات التي تحيط بالقرار السياسي، والتفاعلات التي تسبقه والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
وتشكل القضايا العراقية مساحة أساسية في الكتاب، انطلاقاً من خصوصية التجربة السياسية العراقية وتشابكها مع محيطها الإقليمي والدولي. فالعراق، بما يمتلكه من موقع جغرافي وسياسي، وبما مر به من تحولات وأزمات خلال العقود الماضية، يمثل نموذجاً واضحاً لتداخل الملفات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
ولا يتوقف الكتاب عند الحالة العراقية وحدها، وإنما ينفتح على المشهد العربي والإقليمي بصورة أوسع، في محاولة لقراءة التحولات السياسية ضمن بيئة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية والإعلامية، وتتغير فيها التحالفات والتوازنات بصورة متسارعة.
ويأتي صدور «هندسة الفوضى وعُقد السياسة» امتداداً للتجربة الصحفية للمؤلف، الذي كتب في عدد من المنابر الإعلامية العربية والعراقية، وتناولت كتاباته قضايا سياسية وإعلامية واقتصادية واجتماعية مختلفة، مع اهتمام خاص بالشأن العراقي والتحولات التي تشهدها المنطقة.
وقد نشرت له مقالات وكتابات في عدد من المنصات والصحف العربية المعروفة، من بينها العربي الجديد، والجزيرة، وصحيفة العرب، ورأي اليوم، وميدل إيست أونلاين، حيث تناول عبر مقالاته وتحليلاته ملفات سياسية وإقليمية وقضايا مرتبطة بالشأن العام.
وتمنح التجربة الصحفية مساحة مهمة لفهم خلفية الكتاب الجديد، إذ ينتقل المؤلف من إيقاع المقالة الصحفية المرتبط غالباً بالحدث الآني إلى مساحة الكتاب، التي تتيح معالجة الأفكار والقضايا بصورة أكثر اتساعاً، وربط مجموعة من الأحداث والظواهر ضمن سياق واحد.
ويطرح الكتاب السياسة بوصفها عملية تتداخل فيها عوامل متعددة، بحيث لا يمكن دائماً تفسير الأزمات من خلال عامل واحد أو قرار منفرد. فالمشهد السياسي، وفق المقاربة التي يقوم عليها العمل، يتأثر بتفاعل القوى والمصالح والظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فضلاً عن الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام والرأي العام في تشكيل صورة الأحداث والتأثير في مساراتها.
وتبرز في الكتاب محاولة للتمييز بين الفوضى بوصفها نتيجة تلقائية لغياب الاستقرار، والفوضى التي قد تنشأ من تداخل مشاريع ومصالح متعددة. ومن هنا تأتي فكرة «الهندسة» في عنوان العمل، باعتبارها مدخلاً للتساؤل حول كيفية تشكل المشهد المعقد، وما إذا كانت بعض الأزمات مجرد نتائج غير مقصودة لتطور الأحداث، أم أنها ترتبط في بعض الحالات بتفاعلات وخيارات سياسية متعمدة أو محسوبة.
أما مفهوم «عُقد السياسة»، فيرتبط بالملفات التي تتراكم حولها الخلافات والحسابات، فتتحول بمرور الوقت إلى قضايا متعددة المستويات، يصعب فصل أحد عناصرها عن العناصر الأخرى. ويتيح هذا المفهوم قراءة مجموعة من الأزمات السياسية باعتبارها نتاجاً لتراكم طويل، وليس نتيجة مباشرة لحدث واحد.
ويحاول الكتاب كذلك الاقتراب من العلاقة بين السياسة والإعلام، في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على صناعة الخبر وتشكيل الرأي العام. فقد أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية جزءاً مؤثراً في المشهد السياسي، ولم يعد نقل الأحداث منفصلاً عن طريقة تقديمها وتأطيرها وتفسيرها أمام الجمهور.
ومن هذا الجانب، يلتقي موضوع الكتاب مع التجربة المهنية للمؤلف في الصحافة والإعلام، حيث شكلت متابعة الأحداث وتحليلها جزءاً من نشاطه الكتابي خلال السنوات الماضية.
ويأتي إصدار الكتاب في مرحلة تشهد فيها المنطقة العربية والإقليم المحيط بها تحولات متسارعة، مع استمرار الأزمات السياسية وتغير التحالفات وتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية مع القرارات السياسية. وهو سياق يجعل موضوع فهم تعقيدات السياسة وإدارة الأزمات حاضراً في النقاش الثقافي والإعلامي العربي.
ولا يقدم الكتاب، بحسب طبيعته، السياسة باعتبارها مجموعة من الإجابات الجاهزة، بقدر ما يفتح مجموعة من الأسئلة حول كيفية تشكل الأزمات، وطبيعة القوى التي تتحرك داخلها، والظروف التي تسمح لبعض الملفات بالاستمرار والتعقيد.
كما يركز على أهمية قراءة الأحداث ضمن سياقاتها الزمنية والسياسية، إذ إن القرار الذي يبدو منفصلاً في لحظة معينة قد يكون مرتبطاً بسلسلة من التطورات السابقة، وقد يؤدي بدوره إلى نتائج تتجاوز الهدف المباشر منه.
ويحضر العراق في هذا السياق بوصفه إحدى الحالات التي يمكن من خلالها قراءة تعقيدات السياسة في المنطقة، نظراً إلى تعدد المستويات التي تتحرك ضمنها العملية السياسية، وتشابك العوامل الداخلية مع التأثيرات

